أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
136
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2732 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كأن ثدييه حقّان « 1 » قال : ووجهه من القياس : أنّ « أن » مشبهة في نصبها بالفعل ، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف ، نحو : « لم يك زيد منطلقا » « فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ » ، وكذلك « لا أدر » . قلت : وهذا مذهب البصريين ، أعني : أن هذه الأحرف إذا خفف بعضها جاز أن تعمل ، وأن تهمل ك « إِنْ » والأكثر الإهمال ، وقد أجمع عليه في قوله : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا « 2 » . وبعضها يجب إهماله عند الجمهور ك « لكن » . وأما الكوفيون فيوجبون الإهمال في « أن » المخففة ، والسماع حجة عليهم بدليل هذه القراءة المتواترة ، وقد أنشد سيبويه « 3 » على إعمال هذه الحروف : 2733 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم « 4 » وقال الفراء : لم يسمع العرب تخفف وتعمل إلّا مع المكنى كقوله : 2734 - فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني * طلاقك لم أبخل وأنت صديق « 5 » قال : لأن المكنى لا يظهر فيه إعراب ، وأما مع الظاهر فالرفع ، قلت : وقد تقدم ما أنشده سيبويه ، وقول الآخر : 2735 - كأن وريديه رشاء خلب « 6 » وهذا ما يتعلق ب « إن » وأما « لَمَّا » في هذه القراءة فاللام فيها هي لام « إن » الداخلة في الخبر ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي واقعة على من يعقل ، كقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 7 » ، فأوقع « ما » على العاقل ، واللام في « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » ، جواب قسم مضمر ، والجملة من القسم وجوابه صلة للموصول ، والتقدير : وإن كلّا للذين واللّه ليوفينهم ، ويجوز أن تكون « ما » نكرة موصوفة ، والجملة القسمية وجوابها صفة ل « ما » والتقدير : وإن كلّا لخلق أو فريق ، واللّه ليوفينهم . والموصول وصلته أو الموصول وصفته خبر ل « إن » . وقال بعضهم « 8 » : اللام الأولى هي الموطئة للقسم ، ولما اجتمع اللامان واتفقا في اللفظ فصل بينهما ب « ما » ، كما فصل بالألف بين النونين في « تضربنان » ، وبين الهمزتين نحو : « أأنت » فظاهر هذه العبارة أن « ما » هنا زائدة فجيء بها للفصل ، اصلاحا للفظ . وعبارة الفارسي مؤذنة بهذا ، إلّا أنه جعل اللام الأولى لام « إن » فقال : العرف أن تدخل لام الابتداء على الخبر ، والخبر هنا هو القسم وفيه لام تدخل على جوابه ، فلما اجتمع اللامان والقسم محذوف واتفقا في اللفظ وفي تلقي القسم ، فصلوا بينهما ب « ما » كما فصلوا بين « إن » و « اللام » . ونصّ الحوفي على أنها لام « إن » . وقد صرح الزمخشري بذلك فقال : واللام في « لَمَّا » موطئة للقسم ، و « ما » مزيدة . وقال أبو شامة : « واللام في « لَمَّا » هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة والنافية . وفي هذا نظر ، لأن الفارقة إنما يؤتى بها عند التباسها بالنافية ، والالتباس إنما يجيء عند إهمالها نحو : « إن زيد لقائم » وهي في الآية الكريم معملة ، فلا التباس بالنافية ، فلا يقال إنها فارقة . فتلخص في كل من « اللام » و « ما » ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة يس ، آية : ( 32 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 2 / 134 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) سورة النساء ، آية : ( 3 ) . ( 8 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 287 ) .